الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
151
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
مع عدم ملاحظة الخصوصية نظرا إلى كون وضعه بإزاء الخصوصيات واستعماله في الجزئيات ليس على ما ينبغي لما عرفت من عدم ابتناء الإيراد على استعمالها في المعنى العام مطلقا وإنما الملحوظ فيه إطلاقه بالنسبة إلى اعتبار خصوصية الوجوب أو الندب وقد عرفت أنه لا منافاة بين كون المعنى مأخوذا على سبيل الخصوصية من حيث كونه فردا من الطلب وملحوظا على وجه الإطلاق بالنظر إلى عدم اعتبار خصوصية الوجوب أو الندب فيه قوله فالمجاز لازم في غير صورة الاشتراك نظرا إلى كون استعمال الكلي في خصوص الفرد مجازا فحيث لم توضع الصيغة لخصوص الوجوب أو الندب إذا استعمل في الخاص مع ملاحظة الخصوصية في المستعمل فيه يكون مجازا مستعملة في غير ما وضع له وقد نبه المصنف رحمه الله في الحاشية على أن كون استعمال الكلي في خصوص الفرد مجازا ظاهر عند من لا يقول بأن الكلي الطبيعي موجود بعين وجود أفراده نظرا إلى وضوح كون استعماله في الفرد استعمالا له في غير ما وضع له سواء قيل حينئذ بوجود الكلي في ضمن الفرد أو بعدم وجوده في الخارج مطلقا لظهور استعماله في الأول في مجموع ما وضع له وغيره وفي الثاني فيما يغايره رأسا وأما لو قلنا بوجود الكلي الطبيعي بعين وجود أفراده بمعنى اتحادهما في الخارج وكون الفرد الخارجي عين الطبيعة المطلقة فقد يشكل الحال نظرا إلى كون الفرد المراد عين الطبيعة الموضوع لها فلا مجاز وأجاب بأن إرادة الخصوصية يتضمن نفي صلاحية اللفظ في ذلك الاستعمال للدلالة على غير الفرد المخصوص وظاهر أن هذا النفي معنى زائد على ما وضع اللفظ له وقد أريد معه فيكون مجازا وكان مقصوده بذلك أن الخصوصية المتحدة مع الطبيعة الكلية النافية لصلاحية ذلك المعنى للصدق على الغير أمر زائد على الموضوع له وقد لوحظت في الاستعمال حيث بعثت على عدم صدق ذلك المعنى على غير ذلك الفرد الخاص وإلا فمن الواضح أن نفي صلاحية اللفظ للغير ليس مما استعمل اللفظ فيه فكيف يتعقل اندراجه في المستعمل فيه كما قد يتراءى من ظاهر كلامه فالإيراد عليه بأن ذلك من عوارض الاستعمال لا أنه جزءا من المستعمل فيه ليس على ما ينبغي وكذا ما أورد عليه من أنه لا فرق في كون إطلاق الكلي حقيقة أو مجازا بين القول بوجود الكلي الطبيعي في الخارج وعدمه للاتفاق على اتحاده مع الفرد نحوا من الاتحاد وكذا مغايرتهما في الجملة فالاستعمال فيه بالملاحظة الأولى حقيقة وبالثانية مجاز سواء قيل بوجود الكلي الطبيعي أو لا لما هو ظاهر من عدم إباء ما ذكره المصنف عن ذلك إلا أنه لما كان وجه المجازية على الفرض الأول ظاهرا وعلى التقدير الثاني خفيا من جهة ما ذكره من الإشكال فقد يتوهم الفرق بين الصورتين أراد بذلك بيان تصوير المجازية على الفرض الثاني أيضا بما قرره وكذا الإيراد عليه بأن ما ذكر في وجه التجوز إنما يتم لو كانت الوحدة مندرجة فيما استعمل اللفظ فيه وإلا فلا مدخلية لنفي صلاحية اللفظ في ذلك الاستعمال لغير المصداق المذكور فيما استعمل اللفظ فيه وقد عرفت فساده عند تعرض المصنف لاعتبار الوحدة في معاني المفردات إذ من الواضح أن عدم صلاحية المعنى إذن لغير ذلك المصداق ليس من جهة اعتبار الوحدة في المستعمل فيه ضرورة عدمها مع عدمه أيضا فليس مقصوده إلا ما بيناه وإن كان قد تسامح في التعبير نظرا إلى وضوح الحال وقد أورد عليه أيضا بأنه لا مدخل لوجود الكلي الطبيعي وعدمه بالمقام على ما سيحققه المصنف من كون الوضع في الأمر وغيره من الأفعال عاما والموضوع له خاصا فليس الموضوع له هناك كليا حتى يكون منه مجال للكلام المذكور وأنت خبير بأن غاية ما يلزم على القول بكون الموضوع له هناك خاصّا وهو وضع الصيغة لخصوص حصص الطلب أو أفراده من حيث كونها فردا من الطلب حسبما مر بيانه وحينئذ فما يتخيله من الإشكال قائم في المقام فإنا إن قلنا بكون الكلي الطبيعي عين أفراده كانت الحصة المفروضة عين الخصوصية الملحوظة في الفرد من الوجوب أو الندب بحسب الخارج فيلزم انتفاء التجوز ويندفع ذلك حينئذ بما قرره إلا أن ظاهر عبارته يأبى عن الحمل على ما قررناه وكأنه جرى في ذلك على ما يقتضيه ظاهر عبارة المجيب قوله فعلى غاية الندرة والشذوذ لبعد وقوعه نظرا إلى أن الطالب إذا لم يكن غالبا فلا عن الترك فإما أن يريد المنع منه أو لا يريده فلا يخلو الحال عن إرادة الوجوب أو الندب فلا يتصور إرادة الطلب المجرد عن القيدين إلا عند الغفلة عن ملاحظة الترك وهو في غاية الندرة بل لا يمكن حصوله في أوامر الشرع ففرض استعماله في القدر المشترك غير معقول كذا حكي عن المصنف معقبا له بالأمر بالتأمل وذكر الفاضل المدقق في وجه التأمل أنه فرق بين إرادة المعنى في الضمير وإرادته من اللفظ واللازم لغير الغافل هو الأول والمعتبر في الاستعمال هو الثاني وهو غير لازم من البيان المذكور فالاشتباه إنما نشأ من الخلط بين الأمرين وفيه أن المنشئ للطلب إنما ينشئ الطلب الخاص الواقع منه بالصيغة الخاصة فإنشاء الوجوب أو الندب إنما يكون بالصيغة المذكورة إذ مجرد الإرادة النفسية لا يقضي بإنشاء المعنى في الخارج كيف ومن البين أن الطالب للشيء إنما يوقع طلبه غالبا على أحد الوجهين المذكورين إلا أن يكون غافلا حسبما قررناه فالطلب الخاص مراد من اللفظ قطعا فما ذكره في الجواب غير مفيد في المقام ويمكن أن يقال إن كلا من الوجوب والندب نوع خاص من الطلب والمنشئ للطلب إنما ينشئ غالبا أحد الأمرين المذكورين لكن إنشاءه أحد ذينك الأمرين بواسطة الصيغة الخاصة أعم من استعمال اللفظ فيه بملاحظة الخصوصية أو قد يكون من جهة كونه مصداقا للطلب ينطبق عليه مطلقة وإنشاؤه للطلب الخاص من حيث انطباق المطلق حملية وكونه جزئيا من جزئياته لا يقتضي أخذ الخصوصية في مفهوم اللفظ واستعمال اللفظ فيه بملاحظة تلك الخصوصية كيف ولو بني على ذلك لكان إطلاق المطلقات على جزئياتها مجازا بل لو تم ما ذكره في وجه الشذوذ لكان معظم الاستعمالات مجازا ولا يكاد يوجد حقيقة في الألفاظ إلا على سبيل الندرة ألا ترى أنك لو قلت أكلت الخبز وشربت الماء فإنما أردت بالأكل والشرب خصوص الأكل والشرب المنسوبين إليك وأردت بالخبز والماء ما هو مأكولك ومشروبك فيكون مجازا وعلى هذا القياس غير ذلك من الألفاظ الدائرة في الاستعمالات وهو بين الفساد بمكان لا يحتاج إلى البيان والحل هو ما قررناه وسيأتي إن شاء الله تحقيق الكلام في إطلاق الكلي عن الفرد في المحل اللائق به هذا ويمكن إرادة القدر المشترك في كلام الشارع فيما إذا تعلق الأمر بشيئين يكون أحدهما واجبا والآخر مندوبا كما لو قيل اغتسل للجنابة والجمعة إذ لا يمكن إرادة الوجوب منه ولا الندب والقول باستعماله في المعنيين بناء على جوازه في غاية البعد لندوره في الاستعمالات فليحمل على